الشنقيطي
340
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
السقوط أيضا ، لأن ذلك لم يكن سنة إلا بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما لا يخفى . فلا حجة قطعا في قول أحد كائنا من كان ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم موجود . وإنما العبرة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم وفعله وتقريره . وهذا معلوم بالضرورة من الدين . وأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] . قائلين إن المراد بأولي الأمر العلماء ، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم ، فهو ظاهر السقوط أيضا . لأنه لا يجوز طاعة أولي الأمر إجماعا فيما خالف كتابا أو سنة ، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . والتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر : ما يشمل الأمراء والعلماء . لأن العلماء مبلغون عن اللّه وعن رسوله ، والأمراء منفذون ، ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن اللّه فيه . لأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين : أحدهما : أن يكون طاعة للّه ولرسوله من غير نزاع ، وطاعة أولي الأمر في مثل هذا من طاعة اللّه ورسوله . والثاني : أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة اللّه ورسوله أو لا ؟ وفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى كما صرح اللّه تعالى بذلك في نفس الآية . لأنه تعالى لما قال : أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [ النساء : 59 ] ، أتبع ذلك بقوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ( 59 ) [ النساء : 59 ] . فالآية صريحة في رد كل نزاع إلى اللّه ورسوله . والرد إلى اللّه هو الرد إلى كتابه ، والرد إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، هو الرد إليه في حياته ، والرد إلى سنته بعد وفاته صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً